الدكتور الأنصاري ابراهيم يكتب : التعليم بالمغرب في ظل أزمة كوفيد 19: “الإكراهات و مقترحات حلول”

0

كواليــــــــس صحـــراوية _ بقلــم : الدكتور الأنصاري ابراهيم

يعد التعليم ركيزة وصمام الأمان لتنمية الشعوب والمجتمعات، سواء المتقدمة منها او السائرة في طريق النمو، لذا تحرص مختلف الدول على خلق سياسات تعليمية تبتغي منها تربية وتعليم الافراد، بمختلف أعمارهم، بغية خلق مواطن واعي منفتح قادر على الخلق والمبادرة والمساهمة  في تطوير وتنمية بلاده لتنافس باقي المجتمعات الدولية الأخرى. كما ان الشعوب الواعية والمتبصرة لأخطار الحياة (كوراث اوبئة….) تضع ضمن مخططات الرؤيا البعيدة المدى (بخصوص السياسةالتعليمية) برامج  وقائية وتحسيسية وتوعية من في حالة اي كارثة او اخطار المحدقة بها، بهدف ضمان سيرورة  بناء النشأ على قيم التضامن والتكافل في ظروف الازمات.

  • أهمية التعليم في بناء الافراد والمجتمعات

يشكل التعليم أداة أساسية في بناء الافراد، عن طريق تلقينهم مجموعة من المعارف، واكسابهم العديد من المهارات والقيم والكفايات التي تمكنهم من الاندماج والتعايش بسلام داخل مجتمعاتهم. لذلك أقرت منظمة اليونسيكو في سنة 1960 بضرورة تكافؤ الفرص في التعليم بين مختلف افراد وفئات المجتمع بدون تمييز، وبالتالي اضحى حقا مكتسبا للإنسانية جمعاء. ويهدف التعليم من زاوية أخرى الى اصلاح الأفكار والمعتقدات الخاطئة التي تكونت لذا النشأ، حيث يعمل- التعليم- على تصحيح السلوكيات الخاطئة التي تهدد حياة المجتمع مثل العنصرية والكراهية، إضافة إلى تحسين قيمة المواطن، ومساهمته في التكافل والتضامن الاجتماعي، وجعل المواطنين يدركون أهمية التعاضد والتعاون لمحاربة أيّ ضرر يلحق المجتمع؛ لأنه يكون حينها شخصًا مسؤولًا يدرك مسؤولياته وواجباتهوعلى درجة مهمة من الوعي.

كما ان مختلف احصائيات تؤكد بان المجتمعات التي تعرف تدني في المستوى التعليمي تحتل مراتب جد متأخرة في مؤشر النمو الاقتصادي لبلدانها، الامر الذي ينعكس سلبا على رفاهية وحياة الشعوب، مما سيؤدي في نهاية الى حالة اللا استقرار و تراجع الوعي الادراكي لتلك المجتمعات وبالتالي ستعيش تحت وطاةالعنف بمختلف اشكاله ومظاهره،

  • ومضة تاريخية لسياسة التعليمية بالتراب الوطني

عرف المغرب منذ الاستقلال الى الفترة الراهنة العديد من الإصلاحات الهادفة الى تقييم وتقويم المنظومة التربوية وتحديثها، وجعلها منفتحة وقادرة على مواكبة مستجدات العصر دون الانفصال عن الماضي العريق للمملكة. لكن سياسة قدم الى الامام وقدم الى الخلف، جعلت مهندسي المنظومة يتخبطون خبط عشواء، بفعل تركة الماضي الثقيل ومتطلبات الحاضر الجسيم. فالتخطيط للسياسة التعليمية في ظل هاته الثنائية سيخرج العديد من الأجيال المعطوبة والغير القادرة على مواكبة العصر والاندماج فيه والنموالاقتصادي ومتطلباته. ان تحقيق موازنة هاته المعادلة يتطلب رؤيا حكيمة بنائية لا التخطيط و اعادة التخطيط ومع توالي الحكومات ، وتبدأ أولا وقبل كل شيء عن ماهية الهوية المغربية (المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة، متشبثة بوحدتها الوطنية والترابية، وبصيانة تلاحم وتنوع مقومات هويتها الوطنية، الموحدة بانصهار كل مكوناتها، العربية – الإسلامية، والأمازيغية، والصحراوية الحسانية، والغنية بروافدها الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية. كما أن الهوية المغربية تتميز بتبوإ الدين الإسلامي مكانة الصدارة فيها، وذلك في ظل تشبث الشعب المغربي بقيم الانفتاح والاعتدال والتسامح والحوار، والتفاهم المتبادل بين الثقافات والحضارات الإنسانية جمعاء.) الدستور2011)(بمختلف اشكالها وانماطها والمصالحة مع الذات ثم طرح سؤال ماذا نريد ان نكون في المستقبل القريب/البعيد، من هاته الأسئلة يمكن ان نضع تصور واضح المعالم قوي البنيان لسياسة تربوية تعليمية، من خلالها سيتخرج أجيال واعدة منفتحة ومنسجمة مع محيطها الإقليمي والدولي بدون ان تنسلخ من هويتها الوطنية.

كما ان مختلف السياسات التعليمية المتعاقبة اغفلت عدة مؤشرات أهمها وضع سياسة تعليمية جهوية تتماشى جنبا الى جنب مع السياسة التعليمية الوطنية (تجدر الاشارة الى تجربة الاكاديميات، المحدثة بتاريخ 19 ماي 2000حيث اقتصر دورها حسب النص المحدث على الجوانب التدبيرية فقط دون رسم تصورات او سياسة تربوية جهوية) بل تندمج وتذوب معها لصنع أجيال معتزة بتاريخ وجغرافية مجالها الجهوي والوطني. ان اغفال السياسة التعلمية الجهوية، في ظل دستور2011 الذي كرس مفهوم الجهوية الموسعة والحكم الذاتي بالاقاليم الجنوبية، يعد من الأخطاء الجسيمة في حق الأجيال الراغبة في معرفة افقية وعمودية لمجالها الإقليمي –الجهوي- الوطني- العالمي.

  • المدخل القيمي في الاصلاح التعليمي لترسيخ مبادئ التكافل والتضامن خلال الازمات “كوفيد-19 نموذجا”

يعد المدخل القيمي اهم مداخيل الإصلاح في المنظومة التعليمية، خاصة بعد تدني المستوى الأخلاقي والقيمي على المستويين الوطني والدولي خلال العقود الأخيرة.

لذا رسم “مهندسو الإصلاح التعليمي” ملامح الشخصية المغربية خلال القرن الحادي والعشرين، متشبعة بالعديد من القيم الإنسانية الكونيةوبمبادئ الدين الإسلامي الحنيف إضافة الى ثوابت الامة. لذك أصدرت العديد من خرائط الطريق لتحقيق الهدف المنشود أهمها اصدار الميثاق الوطني للتربية والتكوين 1999م ، الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030، ووصولا بالقانون الاطار 17.51 الصادر سنة 2019م الذي تم التأكيد فيه على أهمية الجانب القيمي في تكوين الشخصية المغربية:

  • الثوابت الدستورية للبلاد المتمثلة في الدين الإسلامي الحنيف، والوحدة الوطنية متعددة الروافد، والملكيةالدستورية، والاختيار الديمقراطي؛
  • الهوية الوطنية الموحدة المتعددة المكونات، والمبنية على تعزيز الانتماء إلى الأمة، وعلى قيم الانفتاح والاعتدال والتسامح والحوار والتفاهم المتبادل بين الثقافات والحضارات الإنسانية؛
  • قيم ومبادئ حقوق الإنسان كما هو منصوص عليها في الدستور والاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها المملكة أو انضمت إليها، ولاسيما منها الاتفاقيات ذات الصلة بالتربية والتعليم والتكوين والبحث العلمي؛ تشكل مختلف هاته القيم لبنات أساسية لبناء مجتمع متكافل ومتضامن على جميع الأصعدة، وتبرز على وجه الخصوص خلال الازمات التي تمر منها مختلف الشعوب.

الامر الذي يمكن ملاحظاته من خلال جائحة “كوفيد -19” التي عانت منها جميع الدول بالمعمورة، لكن مواجهة هاته الازمة اختلف حسب وعي الشعوب وتطورها. فعلى المستوى الوطني اظهر اغلب الافراد المتعلمين بالتراب المغربي، المشبعين بالقيم الإنسانية والإسلامية، تفردا من خلال مجابهة الازمة بالالتزام بقواعد الصحة والبعد الاجتماعي والمساهمة في حماية انفسهم وانفس الاخرين، على عكس الافراد غير المتعلمين او المحدودي التعليم فاستهانوا بالأمر وعرضو حياتهم وحياة الاخرين للخطر الامر الذي أدى ارتفاع عدد الإصابات في المملكة.

  • التعليم في ظل الازمة “كوفيد-19”

يعد التعليم الذاتي والتعليم  عن بعد من بين السبل العديدة للتحصيل المعرفي في ظل الازمات والأوبئة، لذا تجتهد مختلف المجتمعات في ابتكار العديد من الطرائق ابان الازمات لتعليم أبنائها وصقل مواهبهم وتطويرها. فنجد دولة اليابان، مثلا، أحدثت عدة مجموعات مكونة من 10 افراد في حلقة واحدة يدرسهم استاذبالقاعات المغطاة، بعد التسرب النووي الذي وقع بمحطة فوكوشيما باليابان، ورغم التطور التكنولوجي الذي يشهده هذا البلد الا انها فضلت التعليم الحضوري بدل التعليم عن بعد، على اعتبار ان التعليم مهمة إنسانية يخلق فيها التفاعل من بين الأطراف المتدخلة في التعليم . كما نجد دولة فلسطين التي تحتل المرتبة الأولى في التعليم ببلدان العالم العربي (نسبة المتعلمين بقطاع غزة ناهز 96.4٪ من مجموع الساكنة التي تقدر ب1.7 مليون نسمة)، اختارت في ظل الحرب والدمار التي تشهده تكوين حلقات صغرى لتعليم أبنائها.

وفي ظل جائحة كوفيد-19 اتجه مسؤولي التعليم بالمغرب، الى تبني سياسة التعليم عن بعد، رغم التفاوت الرقمي الذي تشهده مختلف جهات المملكة، الامر الذي أثر سلبا علىالعملية التعلمية والتربوية برمتها، وكرس تعلق الانسان بالألة أكثر من تعلقه بإنسانيته (كنه التعليم وجوهره)، وأدى في جانب كبير منه الى تدني التحصيل المعرفي للمتعلمين وخلق فجوة معرفية بين صفوفهم.ان تبني طريقة التعليم عن بعد – في شموليته- سيؤدي لا محالة الى ضرب جوهر وماهيته التعليم، وسيخلق أجيال من المتعلمين المعطوبين فكريا واجتماعيا، سنضاف الى طوابير الأجيال المعطوبة أصلا بفعل السياسات الاصلاحية التعليمة المتعاقبة.

  • توصيات واقتراحات لتحسين جودة التعليم في ظل الازمة الراهنة

ان المتتبع لمختلف التجارب التي قامت بها الدول –سواء المتقدمة منها اوالنامية- لخلق استمرارية بيداغوجية تحت جائحة كوفيد-19 او اي ازمة لا قدر الله، يلاحظ أهمية البنية الثقافية والاجتماعية في ابتكار حلول بديلة للطرق التعليمية التقليدية المعتادة لخلق استمرارية تعليمية في ظل الازمة. فشدة التنظيم والدقة التي تتميز بها الشعوب الاسيوية والأوروبية، سهل الى حد كبير على إنجاح هاته الطرق والحفاظ على صحة متعلميها، على العكس من مجتمعات الدول النامية التي تتخبط في الارتجالية والعشوائية في اصدار قرارات ستؤدي لامحالة الى تهديد تحقيق الاهداف السامية لتعليم.

ويمكن ان نستشف مجموعة الإجراءات التي قامت بها العديد من المجتمعات والدول الناجحة في خلق استمرارية تعليمية ، يمكن ان نوردها على شكل توصيات للفاعلين التربويين بالتراب الوطني:

  •  منح الاكاديميات المزيد من الصلاحيات التي تمكنها من خلق حلول بديلة في ظل ما تعرفه الجهة من تطورات وبائية.
  •  المزاوجة ما بين التعليم الحضوري والتعليم عن بعد وخلق ما يسمى في ادبيات التعليم بالفصل المقلوب او المعكوس.
  •  الاقتصار على المواد الأساسية في التعليم وإلغاء المواد التكميلية، وتقليص عدد ساعات التعليم.
  • العمل على مبدا المناوبة في التعليم بين الاسلاك، حيث يتم تدريس المواد العلمية في الثانويات ثلاثة أيام في الأسبوع (الاثنين-الأربعاء-الجمعة)، والمواد الأدبية في الأيام المتبقية (الثلاثاء-الخميس-السبت).
  • العمل على مبدا المناوبة في التعليم داخل نفس القسم ، حيث يتم تقسيم القسم الى فوجين، الفوج الأول يتم تدريسه حضوريا والفوج الاخر يدرس عن بعد لمدة لا تقل عن 14 يوم.
  •  تقليص عدد ساعات التعليم خلال اليوم الواحد وحصرها ما بين الساعة 09H الى غاية 13H 30 .
  • الزام الاسر بجلب أبنائها الى المؤسسة واخدهم بعد انتهاء الحصص التعليمية لمراقبتهم والحفاظ على صحة فلذات اكبادهم وتجنب الاختلاط.
  •  تخصيص قسم قار بكل فوج وإلغاء الاستراحات ما بين الحصص.
  • الزام اطر الإدارة التربوية وهيئة التعليم بالتباعد الاجتماعي وتوعية المتعلمين بخطورة الوضع.
  •  تزويد المتعلمين بأجهزة وشاشات الكترونية.
  •  اشراك الإباء والامهات في مختلف القرارات المتخذة من طرف الفاعلين التربويين.
  • خلق منصة تعليمية على موقع قنوات اليوتوب دائمة ورسمية تابعة للوزارة.

تتضمن دروس كل المستويات و تجدد بتجدد المقررات وذلك ضمن الخطط الاستباقية للازمات واكيد ستحقق مداخيل مهمة نتمنى ان توجه لتوفير بعض متطلبات التمدرس بالعالم القروي.

هذه بعض المقترحات التي نتمنى ان تاخذ بعين الاعتبار راجين من الله عز وجل ان يحفظ هذا البلد و سائر بلاد المسلمين و يعين على تادية الرسالة المنوطين بها الا وهي بناء أجيال قادرة على تحقيق النهضة الشاملة رغم سوء الظروف والإكراهات.


 

Leave A Reply

%d مدونون معجبون بهذه: