رسائــــل وتأمــــلات / المشهـــد الأول : قــراءة في صــورة

0

كواليــــــــس صحـــراوية _ ذ : عبد الســـلام الحيمــر

وأنا، حين أمر صباحا أو مساء، يصادفني رجل مسن متشرد، سبق وأن جالسته رفقة محاورين له بالمقهى القريب من مسكني.
لا أذكر من روايات الشيخ سوى كونه عمل أستاذا وعمل عسكريا أيضا، وأن أبناءه ذووا مراكز ذكورا وإناثا وأنهم يعرفون حالته ولا يكترثون، كان الرجل يتحدث بالحسانية والأمازيغية والعربية الفصحى والفرنسية بطلاقة مدهشة.
حدثني أنه فاز بمسابقة شعرية ففاز وطنيا بحضور وزير الثقافة.
لا أذكر هل التقط له مجالسونا أو غيرهم صورا.
وأنا لا أحب أن أصنف أشكال الناس، أنا مؤمن بأننا نولد حفاة عراة، نستنشق ذرة الأوكسجين الأولى مقابل البكاء والألم.. نشترك، جميعنا في هذا، ونختلف فيما بعده.
يقول لي النص الذي تمليه صورة الرجل المسن أن أعاتب من يأمرونني بالكتابة كي تحمل القمامة بعيدا عنهم، وهم لا يعلمون أني وأمثالي كلنا مؤهلون كي نحتفل على قمامة بقاياهم وننام في الشارع بسلام.
الأمر ليس في الشكل.. الأمر في نظرتنا لأنفسنا من خلاله.
ربما تحت تأثير مشهد الرجل الذي مررت بقربه، وأنا لا أحمل له إسعافا.. وأنا لا أختلف عنه كثيرا في حاجتنا للعيش.. فقط، وربما فقط أنا لا أمتلك جرأته.
كان، ربما هذا هو الإحساس الذي دفعني إلى قضاء آخر ليل ومنتصف نهار كي أنام قبالته من حافة الشارع الأخرى لتعكس صورتينا بعضهما.
إنه لا يهمني شكل عيشي بقدر ما يهمني الوعي به.
بعض الوقائع التي نحدثها والقرارات التي نتخذها ليست سوى إعدادا نفسيا لعيش شكل ما له تأثير على الذاكرة.
إن لتلافي بعض الصور دور في توازننا النفسي، لكن التلافي – في حد ذاته – يخرج الإنسان من إنسانيته.
الآن انطلقت يا قلم كي تدون ما تراكم من الألم وتستيقظ من سباتك كي تحمل الصور لمن أوصاهم أطباؤهم بتلافي صورتنا.
أنت القلم وأنا ما تبقى من شظايا الألم، فلا تكترث إن بتنا عاريين، ولا تكترث إن حملك غيري ستصلك كلماتي عبر الصدى.. أنا الفؤاد الممزق تائها بين نفسي وبين المعنى، أصدق في الكلام، والصدق لا يحمله سوى الصدى.
الصدق بلا أقلام أنا وأنت نعرفه..كفنا في الغياب.
فلا تأبه إن عرينا أو أمطرت من غير شمس تحمي السحاب.


 

Leave A Reply

%d مدونون معجبون بهذه: